كان "سالم" شابًا في السابعة عشرة من عمره، يعيش حياة المراهقين بكل ما فيها من صخب وطموح وأحلام وردية. كان قلبه يخفق لفتاة في صفه تدعى "نورة"، تلك الفتاة الهادئة التي تشبه نسمة الصباح، بعينيها اللامعتين وابتسامتها التي تذيب جليد الشتاء. كان سالم يقضي الساعات الطوال يخطط للحظة المناسبة التي يعترف فيها بحبه لنورة، متخيلًا ردة فعلها وسعادتها بهذا الاعتراف.
في أحد الأيام، قرر سالم أن اليوم هو اليوم الموعود. اشترى باقة من الورود الحمراء، وكتب رسالة حب صاغها بكلمات منتقاة بعناية، ووضعها في ظرف أنيق. كان كل شيء يسير وفق الخطة، حتى عاد إلى المنزل ليجد والدته، السيدة "فاطمة"، متعبة ومريضة في فراشها. كانت حرارتها مرتفعة، وبالكاد تقوى على الكلام.
"سالم يا بني، هل يمكنك أن تحضر لي كوبًا من الماء ودواء الصداع؟" قالت بصوت واهن.
نظر سالم إلى ساعته، كان موعده مع نورة يقترب. شعر بالضيق والتردد. فمن ناحية، قلبه يطير شوقًا للقاء حبيبته، ومن ناحية أخرى، والدته المريضة بحاجة إليه. تذكر كلمات والده الراحل: "أمك هي جنتك على الأرض يا سالم، لا تفرط فيها أبدًا".
تنهد سالم تنهيدة طويلة، ووضع باقة الورود جانبًا. ذهب إلى المطبخ وأحضر لوالدته الماء والدواء، ثم جلس بجانبها يضع كمادات باردة على جبينها. مرت الدقائق والساعات، وسالم يراقب والدته بقلق، ناسيًا تمامًا موعده مع نورة. غلبه النعاس للحظات، ليستيقظ على يد والدته الحانية تمسح على شعره.
"شكرًا لك يا بني، أشعر بتحسن كبير الآن. لقد كنت خير معين لي اليوم". ابتسمت له ابتسامة دافئة أعادت الطمأنينة إلى قلبه.
في اليوم التالي، ذهب سالم إلى المدرسة وهو يشعر بالخجل والأسف. كيف سيبرر لنورة عدم حضوره؟ هل ستغضب منه؟ هل ستظن أنه لا يبالي بها؟ وبينما هو غارق في أفكاره، اقتربت منه نورة وبادرت بالحديث.
"سالم، كيف حال والدتك؟ سمعت أنها كانت مريضة بالأمس".
نظر إليها سالم بدهشة: "كيف عرفتِ؟"
ابتسمت نورة وقالت: "لقد رأيتك بالأمس وأنت تهرع إلى الصيدلية لشراء الدواء. كنت أنوي أن أسلم عليك، لكني رأيت القلق في عينيك، فعلمت أن هناك أمرًا طارئًا. ثم سألت جارتكم، فأخبرتني بمرض والدتك. لقد فعلت الصواب يا سالم، برك بوالدتك هو أجمل ما فيك".
لم يصدق سالم ما يسمعه. لم تغضب نورة، بل على العكس، زاد تقديرها له. شعر بأن عبئًا ثقيلًا قد أزيح عن صدره. في تلك اللحظة، أدرك سالم أن الحب الحقيقي لا يتعارض أبدًا مع الواجبات الأسرية، وأن الفتاة التي تستحق قلبه هي التي تقدر قيمه ومبادئه.
نظر سالم في عيني نورة وقال بصدق: "نورة، لقد كنت أنوي أن أقول لكِ شيئًا مهمًا بالأمس، لكني أعتقد أن اليوم هو الوقت الأنسب. أنا معجب بكِ كثيرًا، وأرى فيكِ شريكة حياة تقدر المعاني السامية للحياة".
احمرت وجنتا نورة خجلًا، وقالت بصوت خفيض: "وأنا أيضًا يا سالم، برك بوالدتك جعلني أراك رجلاً حقيقيًا يمكن الاعتماد عليه".
منذ ذلك اليوم، بدأت قصة حب جميلة بين سالم ونورة، قصة بنيت على أسس متينة من الاحترام والتقدير المتبادل، وكان بر سالم بوالدته هو الشرارة التي أضاءت له الطريق نحو قلب من يحب، ليتعلم أن رضا الوالدين هو مفتاح السعادة والتوفيق في كل أمور الحياة، بما في ذلك الحب.